استفاقة المهدي من الظلمة الأخيرة

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على رسول الله الأمين سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

قال أحد الصالحين واصفًا حال المهدي، خليفة آخر الزمان، بعد ما سمّاه «الظلمة الأخيرة»:
«
يستفيق من غشيته، ويحظى من ربّه بتوبته، ويعلم عندها سرّ طينته وخميرته، فيعلم أن الله ركّبه وطيّبه وألّفه».

هذا الوصف يفتح بابًا واسعًا لفهم المرحلة الأخيرة التي يمر بها المهدي قبل الإصلاح. فبحسب ما ورد في كلام العارفين، وما استُخلص من الرؤى والإشارات، فإن حياة المهدي تمر بمراحل متعددة ومتباينة. هناك مراحل يكون فيها قريبًا من الله عز وجل، تغمره الأنوار الربانية، ويُفتح له من العلوم والمعارف ما لا يُفتح لغيره. وهناك مراحل مبكرة في طفولته يكون فيها عبدًا ربانيًا مختلفًا عن أقرانه، يحمل منذ صغره سمات الاستثناء والاصطفاء.

ثم تأتي مراحل الابتلاءات العظيمة، ابتلاءات لو نزلت على جبل لتصدّع، أو على صخر لانهار. أما المرحلة الأخيرة قبل الإصلاح، فهي ما عبّر عنها العارفون بـ«الظلمة الأخيرة»، وهو وصف بالغ الدقة لما يمر به هذا الرجل في أخطر مراحل حياته.

الظلمة الأخيرة ليست مجرد حزن أو ضيق عابر، بل هي الابتلاء الأعظم والأشد، المرحلة التي تنقطع فيها العلائق بينه وبين ما عرفه من الأنوار والعلوم العرفانية. يبدو وكأن كل شيء قد انطفأ، حتى يُخيَّل للشيطان أنه قد تمكن منه وأحاط به، بينما يظل قلبه في أعماقه ثابتًا بالله، مطمئنًا إليه، مستمسكًا بحكمته.

غير أن هذا الثبات الداخلي لا يمنع ظهور مشاعر العتب والألم؛ فالمحبة العظيمة لله عز وجل تجعل وقع الابتلاء عليه شديدًا، حتى يشعر وكأنه تُرك أو خُذل، وكأن أبواب الرحمة أُغلقت في وجهه، مع أن يقينه بالله لا يتزعزع في الحقيقة. وهذه الحال هي ما أشار إليه بعض العارفين بقولهم إن المهدي «يغدر بالشياطين» أو «يخدع المخادعين».

وتأمل عظمة هذا المعنى: رجل يخدع الشيطان نفسه، ذلك الكائن الذي يُعد أصل الخداع ومنبع الشرور والبلاءات في الدنيا. فالشيطان يظن أنه قد أحكم سيطرته، بينما الحقيقة أن قلب هذا العبد ما زال محفوظًا بالله، وأن ما يجري عليه إنما هو جزء من التقدير الإلهي والتهيئة الأخيرة قبل الإصلاح.

في تلك الظلمة يبلغ البلاء غايته؛ تعصف المحن بروحه، وتهتز جوانب قلبه، ويثقل عقله بما لا يكاد يُحتمل. ومع ذلك، ففي أعماق كيانه، وفي سر روحه الربانية، يظل مطمئنًا إلى أن ما يحدث له مكتوب ومقدّر، وأنه جزء من الحكمة الإلهية التي لا يدركها إلا في وقتها.

قد تبدو بقية شخصيته وكأنها غارقة في الظلام، وكأن الشيطان قد أحاط به من كل جانب، لكن الحقيقة أن تلك المرحلة ليست إلا مقدمة للإصلاح العظيم. وعندما تنتهي هذه الظلمة، تأتي الاستفاقة الربانية التي تغيّر كل شيء.

وهذه الاستفاقة لا تكون إلا بأمر من الله عز وجل، في الموعد الذي قُدّر له منذ البداية. عندها «يستفيق من غشيته»، أي يخرج من سلطان الظلمة وما علق بنفسه وروحه من آثار البلاء وتلبيس إبليس. والغشية هنا تشبه حال الإنسان الذي فقد وعيه من شدة ما أصابه، سواء بسبب ثقل الابتلاء، أو بفعل ما تعرّض له من أذى نفسي وروحي، أو حتى من تأثيرات السحر والتخييل وما يحيط به من اضطراب في العلاقات والتصرفات.

ويظل هذا الحال قائمًا حتى تأتي «ليلة الإصلاح الكبرى»، الليلة التي أشار إليها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «يصلحه الله في ليلة».

في تلك اللحظة يحظى من ربه بتوبته، وكأن هذه التوبة هدية عظيمة وجائزة ربانية بعد صبر طويل وعناء شديد. فهي ليست مجرد توبة عادية، بل رحمة خاصة تمحو آثار ما سبق، وتعيد لهذا العبد صفاءه ونقاءه.

وقد حاول هذا العبد التوبة مرارًا قبل ذلك، وسلك الطريق مرارًا، لكنه كان يُردّ عنها بتقدير إلهي، حتى يحين الموعد الذي أراده الله له. أما حين تأتي ليلة الإصلاح، فإن الأمر يختلف تمامًا؛ إذ يستيقظ وكأن ما مضى قد مُحي من داخله، فينسى ما تعرضت له نفسه من الأذى، وما علق بروحه من التجارب المؤلمة، وما أصاب قلبه من الأحزان.

وفي تلك اللحظة يعلم «سرّ طينته». يدرك حقيقة المادة الأولى التي خُلق منها، ويفهم أن كل ما مرّ به من علوم وابتلاءات وأقدار وقدرات إنما كان ضرورة تقتضيها تلك الخِلقة الخاصة. يفهم أنه خُلق من مادة روحية عظيمة، من «الطبعة الأولى» التي خُلق منها آدم عليه السلام، وكأن روحه امتداد لذلك النور الأول الذي نُفخ في الإنسان الأول.

ثم تُفتح له بعد ذلك أبواب الصلة بالله، وأبواب العرفان والخير، ويُفتح له طريق الوصول إلى الملك الديان سبحانه وتعالى. وتظهر فيه حينها الصفات المكنونة التي أودعها الله في روحه، فيبدو في صورة الإنسان الكامل القادر على حمل أعباء الإصلاح، ومواجهة الظلام، وأخذ الناس إلى طريق الهداية والعبودية لله عز وجل.

هذا والله المستعان، وعليه التكلان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *